عبد القاهر الجرجاني
29
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
فإنْ قالوا : إنَّا لم نَأْبَ صِحّةَ هذا العِلم ، ولم نُنكر مكانَ الحاجةِ إليه في معرفةِ كتابِ الله تعالى ، وإنَّما أنكرْنا أشياءَ كَثَّرْتُمُوه بها ، وفُضولَ قولٍ تكلَّفْتموها ، ومسائلَ عويصةٌ تجشَّمْتُم الفِكْرَ فيها ، ثم لم تَحْصلوا على شيء أكثر من أن تعربوا على السَّامعين ، وتُعَايُوْا بها الحاضِرين . قيلَ لهم : خَبِّرونا عَمَّا زَعْمتم أنَّه فُضُولُ قولٍ ، وعَوِيصٌ لا يَعود بطائلٍ ، ما هو ؟ فإنْ بدأوا فذَكروا مسائلَ التَّصريفِ التي يَضَعُها النحويون للرياضةِ ، ولِضَرْبٍ مِنْ تَمْكينِ المَقاييس في النفوسِ ، كقولهم : كيف تَبْنِي مِنْ كذا كذا ؟ وكقولهم : ما وَزْنُ كذا ؟ وتَتَبُّعهم في ذلك الألفاظَ الوحشَّيةَ ، كقولهم : ما وزن " عزويت " ؟ وما " أَرْوَنَان " ؟ وكقولهم في بابِ ما لا ينصرف : لو سمَّيْتَ رَجلاً بكذا ، كيفَ يكونُ الحُكمُ ؟ وأشباهُ ذلك ، وقالوا : أَتَشُكُّون أنَّ ذلكَ لا يُجْدِي إلاَّ كَدَّ الفكرِ وإضاعةَ الوقتِ ؟ قلنا لهمِ : أمَّا هذا الجنسُ ، فلسنا نَعيبُكم إنْ لم تنظروا فيه ولم تُعنوا بهِ ، وليس يهمُّنا أمرهُ ، فقولوا فيه ما شئتُم ، وضَعُوه حيثُ أَرَدْتُم . فإنْ تَرَكوا ذلك وتَجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة ، على وَجْه الحكمةِ في الأوضاع ، وتقريرِ المقاييسِ التي اطَّردَتْ عليها ، وذكْرِ العِلل التي اقْتَضَتْ أن تَجريَ على ما أُجريت عليه ، كالقولِ في المعتل ، وفيما يلحق بالحروف الثّلاثةَ التي هيَ الواوُ والياءُ والألفُ مِن التغيير بالإِبدالِ والحَذْف والإِسكان 1 ، أو ككَلامِنا مَثلاً على التَّثْنِية وجَمْع السَّلامة ، لِمَ كان إعرابُهما على خلافِ إعراب الواحدِ ، ولِمَ تَبعَ النصبُ فيهما الجَرَّ ؟ وفي " النون " إنَّه عِوَضٌ عن الحركةِ
--> 1 في المطبوعة : " من التغير " .